الشيخ محمد رشيد رضا
320
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي عصيان كان ، عَذابَ يَوْمٍ عظيم الشان ، وهو يوم القيامة ، فكيف إذا عصيته بتبديل كلامه اتباعا لأهوائكم ؟ وقوله ( إِنْ عَصَيْتُ ) من باب الفرض ، إذ الشرطية المبدوءة بان يعبر بها عما شأنه ألا يقع . وهذا جواب عن الشق الثاني من اقتراحهم . * * * ثم لقنه الجواب عن الشق الأول مفصولا لأهميته بقوله قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ أي لو شاء اللّه تعالى أن لا أتلو عليكم هذا القرآن ما تلوته عليكم فإنما أتلوه بأمره تنفيذا لمشيئته وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي ولو شاء أن لا يدريكم ويعلمكم به بارسالي إليكم لما ارسلني ولما أدراكم به ، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم الاعلى لتدروه فتهتدوا به وتكونوا بهدايته خلائف الأرض ، وقد علم أن هذا انما يكون به لا بقرآن آخر كما قال ( 4 : 166 لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) وقال ( 7 : 52 وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ راجع تفسير هذه وما بعدها في ج 8 تفسير ] فهو قد أنزله عالما بأن فيه كل ما يحتاجون اليه من الهداية وأسباب السعادة ، وأمرني بتبليغه إليكم ولم يكن لي علم بشيء من ذلك قبله فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أي فقد مكثت فيما بين ظهرانيكم عمرا طويلا من قبله وهو أربعون سنة لم أتل عليكم فيه سورة من مثله ، ولا آية تشبه آياته ، لا في العلم والعرفان ، ولا في البلاغة وروعة البيان أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ ان من عاش أربعين سنة لم يقرأ فيها كتابا ، ولم يلقن من أحد علما ، ولم يتقلد دينا ، ولم يعرف تشريعا ، ولم يمارس أساليب البيان ، في أفانين الكلام ، من شعر ونثر ، ولا خطابة وفخر ، ولا علم وحكم ، لا يمكنه أن يأتي من تلقاء نفسه بمثل هذا القرآن المعجز لكم بل هو يعجز جميع الخلق حتى الدارسين لكتب الأديان والحكمة والتاريخ أن يأتوا بمثله ؟ فكيف تقترحون عليّ إذا أن آتي بقرآن غيره ؟ وسيتحداهم في الآية 38 بسورة مثله ومما يمتاز به الوحي المحمدي على ما كان قبله أن أكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا قبل نبوتهم على شيء من العلم الكسبي كما بيناه في مباحث الوحي القريبة ، وفاتنا فيها